الفردوس المفقود
لا الليل يأتيني ولا الأشجار نائية عن الريح
البقاءُ في السفر

إنتظرْ 

فعند مصباح الطريق

سنفترقْ

 أِنطلقْ

فالليل والشتاء والشفقْ

ولذّة الشعور بالأرقْ

فالفجر يبدأ من نهاية الطريق

عند التقاء الأرض بالأفقْ

فانتظرْ

 وامنع الأمل

فالبقاءُ فى السفر

البقاءُ فى السفر

فما تبقى فى السماء من سواد

راحلُ

وماتبقى فى العيون من سواد

باسلُ

فارتقب البعاد

 وكن على حذرْ

 فالليل أول السكون

 و الفجر آخر الخطرْ

فانطلقْ   أوأَنطلق

ماعاد فى المعنى كلامْ

فاختفِ

 قبل أن يغادرَ الظلامْ

وليس فى السماء من غسقْ

ستضيع قبل أن تنامْ

 وتسكر من حلاوةِ النسقْ

...

يا صاحبِ الليل الذى رحل

ميعادنا في آخر الخريفْ

حيث لا وجودَ للأفكار والعلل

حيث

لا....أمل

 

 

نوفمبر 2000

 

 

القطة وهو وأنا...
كنا صغيرين أنا وهو...
قبل سن المدرسة بزماااان
كان بيت جدتي كمغارة متسع ومعتم
وكانت هناك قطة لاندري من أين جاءت ولكنها جاءت...
وكانت جدتي رحمها الله تهتم بها وتطعمها , بينما كنت أنا وهو نقتفي أثرها متربصين بها
كانت صغيرة وكنا أصغر منها...
نطاردها في كل مكان ويا فرحه , يا فرحه من يشدها من ذيلها
كان لجدتي صحارة خضراء   ...    خضراء
وكانت دائما مليئة بالخبز الجاف "العيش الناشف" , أتذكرها وهي تقوم بتطهيرها ,تجمع الكسر الجافة المتبقية وتلملم فتافيت الخبز الناشف وتبخرها تبخيرا شديدا إستعدادا ليوم الخبيز , وما أدراك ما يوم الخبيز...؟؟!!
جدتي , أمي ,زوجة عمي , أختاي الكبيرتان ,وسيدتان تأتيان للمساعدة في ذلك اليوم المشهود!!
استيقظنا كعادتنا أنا وهو حوالي التاسعة
أول ما شعرنا به رائحة الدخان المنتشرة في الجو والمختلطة برائحة الخبز الساخن, بنظرة واحدة نفهمها أنا وهو نجري نحو حجرة الخبيز في ركن الدار
حجرة منعزلة بها فرن بلدي والكثير من الحطب الجاف
صاحت جدتي :" العبوا بعيد .. اجروا من هنا!"
نتذمر نبتعد خطوة ولكن هيهات
نتعلق بثوبها ونذهب نحو وعاء العجين ونمد أيدينا الدقيقة بأصابع أكبر قليلا من عيدان الكبريت
تنهرنا أمنا _ أطال الله عمرها_ "ابعدوا عن العجين "
أمي تلك السكندرية ذات التربية الغربية أضافت للريف وأضاف إليها الريف....
كانت أمي وزوجة عمي  تفردان العجين" تبطط" وتضعان العجين المفرود على المطرحة وهي خشبة مستديرة لها عصاة لدفع الأرغفة داخل الفرن , بينما أختاي الكبيرتان تساعدهما وتصفان قرص العجين بالقرب منهما
هناك أمام الفرن السيدة الأخرى , والجلوس أمام الفرن رتبة عالية جدا في سلك الخبيز يتم الإرتقاء إليها بعد خبرة طويلة
وكانت جدتي المشرف العام
"خدي يا نينة اعمليلي جبّورة"نمد أيدينا أنا وهو في وعاء العجين ونخرج قطعة صغيرة بمقدار كف طفل
تأخذها جدتي وتضعها في الفرن وتخرجها بعد فترة صغيرة محسوبة - والجبّورة قطعة سميكة من الخبز طرية بينما الخبز الجاف رقيق جدا-.
نأخذها وهي ساخنة "تلهلب" ونجري بعيدا لا أدري لماذا نجري بعيدا لكني كنت متأكدا بأننا : أنا وهو كنا نجري سعداء

تعجبنا اللعبة
بعد فترة "خدي يا نينة اعمليلي جبّورة" تصرخ الجدة " مش لسه عاملالك واحدة
- " لأ  دي أنا عاوزها بالسمنة والسكر"...

 


كان الحطب عبارة عن جريد النخل الجاف , فالبيئة المحيطة كانت رمال ونخيل وبحر, لم تكن هناك دارا بلا نخيل على الإطلاق
وذات يوم قررت جدتي استخدام نوع جديد من الوقود لم يكن مستخدما في تلك الأيام " مكتبة أبي الرائعة"
كان ابي مسافرا , كان في هنا في السعودية
وكان أبي احد مثقفي بلدتنا , خريج جامعة في وقت كان عدد خريجي الجامعة في مصر معدودين
المهم
" هاتي يا بنت الكتب دي عاملة زحمة وملهاش لزمة ومفيش حطب"
ولكم أن تتخيلو ا أبي وهو يبحث عن مكتبته ويخبروه أنها تحولت إلى " عيش ناشف" يرقد بأمان في الصحارة الخضرااااء
في الصالة المتسعة  المعتمة
تلك التي تفر إليها القطة
مختبأة منا
كان هو يجري بعصاه طويلة  محاولا إخراج القطة من تحت الصحارة بينما أنا على الجانب الآخر..
يصيح " هي جت عندك"!
 -"لأ حاول تاني"
لم يكن همنا ضرب القطة بل الحصول عليها
وبعد محاولات مضنية من جانبنا أنا وهو ,وايضا من جانب المسكينة القطة ,تخرج
تخرج من يأسها
وتعوي ذاهبة تحت سرير جدتي لائذة بها
تطردنا جدتي من الغرفة في محاولة لمنع الاعتداء على القطة.

في يوم أذكره جيدا
قررت عمتي أن تريح القطة من عذابها ومن مغامراتنا الدؤوبة فأخذتها معها وأذكر جيدا أنها وضعتها في كيس بلاستيك, طبعا لتهريب القطة بعيدا عن أعيننا أدركنا الخطة الجهنمية ولكن بعد فوات الأوان : القطة في الكيس , والكيس مع ابن عمتي, وابن عمتي في آخر الشارع ...
آااااخ
تم تهريب القطة
قيل لنا أنهم ذهبو بها إلى طبيب بيطري
ضحكنا أنا وهو حتى استلقينا على قفانا " أخدوا القطة للدكتور وكمان اداها إبرة !!"
ونضرب كفا بكف
إيهِ
اييييييييييهِ
كانت القطة صغيرة
وكنا أصغر منها
 

ترى في أي فردوسٍ كنا نعيش أنا وهو
 

رحم الله جدتي وطيب ثراها

وتأتي حمامة أشجانها   تقول السلام على قبرها
كأني ومحمود كنا معا   ننام ونلهو على حجرها

 
آيس كريم ...
كنت صغيرا جدا
عندما أخبرني أبي بأن من يصلي الفجر تتنزل عليه من السماوات الآيس كريم
فتعجبت وقل لأبي  :"أصحيح هذا"
فاجأني بتأكيده
كنت لا أمل من طلب الآيس كريم والحلوى وكانت طلباتي مجابة تلك التي ضاق أبي بها ذرعا
بت ليلتي وانا أحلم بالآيس كريم الهابط من السماء تماما كما هو موجود في ثلاجة المحل : علبة عليها ألوان
قال لي أبي أيضا أن الملائكة يكتبون الأرزاق في الصباح عند صلاة الفجر
وقال أيضا عند كل رغيف خارج من الفرن تكتب عليه الملائكة اسم صاحبه الذي سوف يأكله
تعحبت كثيرا وانا أتخيل المخبز الآلي في قريتنا والأرغفة الساخنة تخرج منه ويتطاير عنها البخار وابتسمت عندما تخيلت الملائكة وهي واقفة تكتب الأسماء
نمت وانا اتحين الفرصة لصلاة الفجر مع أبي متمنيا الأيس كريم ذلك النوع الذي أفضله - أعتقد أن خط إنتاجه قد توقف الآن_ !!
لم أصارح أحدا بأفكاري لأعتقادي التام من أن السخرية هي المصير الأخير لها ومثواها في ضحكات أخي محمود الساخرة
بعد الصلاة خرجت مع أبي من المسجد وتحدثنا في الطريق كان أبي يحدثني كراشد لا كطفل دون السادسة
كان الطريق مظلما ولكن تتمايز بيوت قريتنا من السماء الذي بدأ لونها يتغير
دخلت البيت وذهب أبي للنوم وكنت لم أخبره عن اني انتظر الايس كريم
وقفت أتساءل أين يمكن أن يكون الآيس كريم مكافاة صلاة الفجر؟؟
طالما هو نازل من السماء فمن الطبيعي أن يكون فوق السطوح
صعدت درجتين على السلم ولكن الظلام لم يمض بعد, إرتعبت وقلت لنفسي " آيس كريم نازل من السما وكمان الدنيا ضلمة لا يا عم استنى لما النور يطلع"
لم أستطع أن أقاوم رعبي
تجربة جديدة علي
مرت اللحظات بطيئة وأنا جالس بجوار باب الصالة أتأمل بئر السلم وأراقب النور وهو يهبط
أخيرا هبط  على الدنيا نور يسمح أن أرتقي السلم ويبدد جزءا من مخاوفي ...
في تلك اللحظة لم يكن يعنيني الآيس كريم ولكن المهم هل سأجده حقا ؟ هل سينزل من السماء؟
لم أكن أسمع سوى ضربات قلبي المتصاعدة وأنا اصعد السلم وعندما وصل مستوى نظري إلى مستوى السطح بدأ الخوف الحقيقي كدت أرجع هاربا ولكني صمدت
أخيرا وصلت للسطوح
ونظرت : المفاجأة الكبرى!!
 لم يكن هناك آيس كريم ولا أي شيء آخر
فقط حبال الغسيل وبعض الطوب المتناثر الموجود منذ انشاء السطح
آآآآآآآآآه
يا لخيبة الأمل هل يخدعني أبي
لا ابدا ابدا فأبي لا يكذب أبدا
مرت الحادثة
وأذكر اني أكلت آيس كريم كثيرا جدا بعدها في مواقف عديدة
كبرت وكبرت معي الأشياء
وصارت أحلاما وطموحات
لكني اتذكر قول ابي دائما
وأدركت الحكمة
ان من يصلي الفجر يكن في ذمة الله وان ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها كما أخبرنا الصادق المصدوق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم
وأن سماع النداء هو  استعداد لملاقاة رب العزة
ومع رب العزة قل ماشئت وتمن ما شئت
ايه يا أبي رحمك الله وأطال عمرك
ولكني مازلت أنتظرالآيس كريم
وانتظر ايضا أحلاما مرت وأمنيات أدعو الله سبحانه وتعالى أن يحققها

الصباح...

في الليل
تُكتب أخبار
الصباح
و
الصباح
يمتطي صهوة
الحلم الجميل
والحب
آخر الأخبار في
غدٍّ براحْ


powered by performancing firefox

في البدء كانت الكلمة
بسم الله
أبدأ الكتابة