الفردوس المفقود
لا الليل يأتيني ولا الأشجار نائية عن الريح
القطة وهو وأنا...
كنا صغيرين أنا وهو...
قبل سن المدرسة بزماااان
كان بيت جدتي كمغارة متسع ومعتم
وكانت هناك قطة لاندري من أين جاءت ولكنها جاءت...
وكانت جدتي رحمها الله تهتم بها وتطعمها , بينما كنت أنا وهو نقتفي أثرها متربصين بها
كانت صغيرة وكنا أصغر منها...
نطاردها في كل مكان ويا فرحه , يا فرحه من يشدها من ذيلها
كان لجدتي صحارة خضراء   ...    خضراء
وكانت دائما مليئة بالخبز الجاف "العيش الناشف" , أتذكرها وهي تقوم بتطهيرها ,تجمع الكسر الجافة المتبقية وتلملم فتافيت الخبز الناشف وتبخرها تبخيرا شديدا إستعدادا ليوم الخبيز , وما أدراك ما يوم الخبيز...؟؟!!
جدتي , أمي ,زوجة عمي , أختاي الكبيرتان ,وسيدتان تأتيان للمساعدة في ذلك اليوم المشهود!!
استيقظنا كعادتنا أنا وهو حوالي التاسعة
أول ما شعرنا به رائحة الدخان المنتشرة في الجو والمختلطة برائحة الخبز الساخن, بنظرة واحدة نفهمها أنا وهو نجري نحو حجرة الخبيز في ركن الدار
حجرة منعزلة بها فرن بلدي والكثير من الحطب الجاف
صاحت جدتي :" العبوا بعيد .. اجروا من هنا!"
نتذمر نبتعد خطوة ولكن هيهات
نتعلق بثوبها ونذهب نحو وعاء العجين ونمد أيدينا الدقيقة بأصابع أكبر قليلا من عيدان الكبريت
تنهرنا أمنا _ أطال الله عمرها_ "ابعدوا عن العجين "
أمي تلك السكندرية ذات التربية الغربية أضافت للريف وأضاف إليها الريف....
كانت أمي وزوجة عمي  تفردان العجين" تبطط" وتضعان العجين المفرود على المطرحة وهي خشبة مستديرة لها عصاة لدفع الأرغفة داخل الفرن , بينما أختاي الكبيرتان تساعدهما وتصفان قرص العجين بالقرب منهما
هناك أمام الفرن السيدة الأخرى , والجلوس أمام الفرن رتبة عالية جدا في سلك الخبيز يتم الإرتقاء إليها بعد خبرة طويلة
وكانت جدتي المشرف العام
"خدي يا نينة اعمليلي جبّورة"نمد أيدينا أنا وهو في وعاء العجين ونخرج قطعة صغيرة بمقدار كف طفل
تأخذها جدتي وتضعها في الفرن وتخرجها بعد فترة صغيرة محسوبة - والجبّورة قطعة سميكة من الخبز طرية بينما الخبز الجاف رقيق جدا-.
نأخذها وهي ساخنة "تلهلب" ونجري بعيدا لا أدري لماذا نجري بعيدا لكني كنت متأكدا بأننا : أنا وهو كنا نجري سعداء

تعجبنا اللعبة
بعد فترة "خدي يا نينة اعمليلي جبّورة" تصرخ الجدة " مش لسه عاملالك واحدة
- " لأ  دي أنا عاوزها بالسمنة والسكر"...

 


كان الحطب عبارة عن جريد النخل الجاف , فالبيئة المحيطة كانت رمال ونخيل وبحر, لم تكن هناك دارا بلا نخيل على الإطلاق
وذات يوم قررت جدتي استخدام نوع جديد من الوقود لم يكن مستخدما في تلك الأيام " مكتبة أبي الرائعة"
كان ابي مسافرا , كان في هنا في السعودية
وكان أبي احد مثقفي بلدتنا , خريج جامعة في وقت كان عدد خريجي الجامعة في مصر معدودين
المهم
" هاتي يا بنت الكتب دي عاملة زحمة وملهاش لزمة ومفيش حطب"
ولكم أن تتخيلو ا أبي وهو يبحث عن مكتبته ويخبروه أنها تحولت إلى " عيش ناشف" يرقد بأمان في الصحارة الخضرااااء
في الصالة المتسعة  المعتمة
تلك التي تفر إليها القطة
مختبأة منا
كان هو يجري بعصاه طويلة  محاولا إخراج القطة من تحت الصحارة بينما أنا على الجانب الآخر..
يصيح " هي جت عندك"!
 -"لأ حاول تاني"
لم يكن همنا ضرب القطة بل الحصول عليها
وبعد محاولات مضنية من جانبنا أنا وهو ,وايضا من جانب المسكينة القطة ,تخرج
تخرج من يأسها
وتعوي ذاهبة تحت سرير جدتي لائذة بها
تطردنا جدتي من الغرفة في محاولة لمنع الاعتداء على القطة.

في يوم أذكره جيدا
قررت عمتي أن تريح القطة من عذابها ومن مغامراتنا الدؤوبة فأخذتها معها وأذكر جيدا أنها وضعتها في كيس بلاستيك, طبعا لتهريب القطة بعيدا عن أعيننا أدركنا الخطة الجهنمية ولكن بعد فوات الأوان : القطة في الكيس , والكيس مع ابن عمتي, وابن عمتي في آخر الشارع ...
آااااخ
تم تهريب القطة
قيل لنا أنهم ذهبو بها إلى طبيب بيطري
ضحكنا أنا وهو حتى استلقينا على قفانا " أخدوا القطة للدكتور وكمان اداها إبرة !!"
ونضرب كفا بكف
إيهِ
اييييييييييهِ
كانت القطة صغيرة
وكنا أصغر منها
 

ترى في أي فردوسٍ كنا نعيش أنا وهو
 

رحم الله جدتي وطيب ثراها

وتأتي حمامة أشجانها   تقول السلام على قبرها
كأني ومحمود كنا معا   ننام ونلهو على حجرها

 


أضف تعليقا

اضيف في 11 ديسمبر, 2006 02:05 م , من قبل ســــــــارة مطر
من المملكة العربية السعودية said:

أحببت القصة جداً..

أحببت طفولتك والقرية والجدة والأم..

لقد شممت رائحة الخبز.. لكني فزعت من ورق الكتاب.. هل ذهب ضحية النار!!

اضيف في 21 ديسمبر, 2006 11:37 ص , من قبل nada800
من فلسطين said:

السلام عليكم شكرا الك علي الموضوع الجميل

تحياتي الي الجميع ندي الحـيـاة!!

بس ما تنسي تزور موقع المتوضع

اضيف في 21 ديسمبر, 2006 02:07 م , من قبل عاشق الجمال / ياسر
من الأردن said:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


قصتك جميلة ورائعه

أعجبتني كثيرا

دمت بخير

اضيف في 21 ديسمبر, 2006 02:18 م , من قبل أمير الفردوس المفقود
من الولايات المتحدة said:

العزيزة سارة
ايه
مازال في الجعبة الكثير
ان شاء الله
نعم
ذهبت الكتب
لكن ليست ضحية النار
بل ضحية "العيش الناشف"

اضيف في 21 ديسمبر, 2006 02:20 م , من قبل أمير الفردوس المفقود
من الولايات المتحدة said:

ندى من فلسطين
اشكرك على مرورك
اعدك ان شاء الله ان اترك تعليقي حين اتشرف بالمرور على مدونتك
شكرا جزيلا

اضيف في 21 ديسمبر, 2006 02:26 م , من قبل أمير الفردوس المفقود
من الولايات المتحدة said:

عاشق الجمال
ياسر من فلسطين الحبيبة
مدونتك تحتوي على أفق
دعني الج الى عوالمها
وهناك لنا حديث
ان شاء الله

اضيف في 21 ديسمبر, 2006 06:07 م , من قبل misskhadija21
من المغرب said:

شكرآ على التعليق مدونتك جميلة مرتبة...قبل أن أقرأ إكتفيت بالعنون و تسألت هل حقآ إستطعت أن تكتب عن نفسك و يقرأه الناس...???!!!قرأت وما وجدت غير أن أقول هنيئآ لك ...المتزوجة

اضيف في 09 يناير, 2007 04:31 م , من قبل herheart said:

:)

يا أمير الفردوس ..
يبدو أنا سنجد هنا كثيرا من البوح
كثيرا من الذكرى ..
كثيرا من نكهة الطفولة ..




.
.

أعترف لك ..
القطط رعب ..
رعب حياتي ..


لذا كل ذكرياتي معها أفلام رعب



:)


قد أقص عليكم أحدها ذات يوم ..



.
.

أتعلم ..
في حكاياتك ..
قدرة عجيبة تتغلغل لأذهاننا كي نتخيل شخوصها ..


رحم الله جدتك ..
ورحم الله كتب والدك ..




ويا أيام الطفولة ..
سلام ربي عليك ..

اضيف في 14 يناير, 2007 10:27 ص , من قبل hala2006hala
من الكويت said:

ما أروع هذه الكلمات الرائعة
التي أنسقنا وراء معانيها بكل سهولة
تعابير منسقة
والاحاسيس بها واضحـــة مرتبه ..!!

فسلم هذا القلم الذي
سيسعدنا حتما متابعته .. وتواصلـــــــــه

أمتعتينا وأمتعنا حضورك ..

هنا دوما ننتظر جديدك ..


كوني بخير


هاله



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية